عندما يقرأ شخص تركي اليوم نصًا عثماني قديم مكتوب بأحرف عثمانية يجد صعوبة كبيرة في قراءة النص وفهمه رغم أن النص مكتوب باللغة التركية. وقد يبدو الأمر غريبًا في البداية: كيف يمكن لشخص يقرأ بأحرف تركية أن يقرأ بأحرف تكاد تكون غريبة وغير مألوفة بالنسبة له أن تكون مألوفة إلى هذا الحد، وفي الوقت نفسه تبدو بعض نصوصها القديمة بعيدة عن القارئ المعاصر؟
الإجابة لا تتعلق بتغيير الأبجدية وحدها. فالتركية مرت خلال تاريخها بمراحل متعددة، وتغيرت طريقة كتابتها ومفرداتها وأساليبها، كما تغيرت الظروف الثقافية والسياسية التي كانت تستخدم فيها اللغة. ولذلك فإن فهم الفرق بين التركية العثمانية والتركية الحديثة / المعاصرة يحتاج إلى النظر إلى هذه التحولات مجتمعة.
من التركية القديمة إلى اللغة العثمانية
للغة التركية تاريخ طويل امتد حولي أكثر من 624 عام وسبق هذا قيام الدولة العثمانية بقرون. ومن أهم الشواهد المكتوبة على مراحلها القديمة نقوش أورخون، التي تعد من أبرز المصادر التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة تاريخ اللغات التركية.
ومع كثرة انتقال الجماعات التركية إلى مناطق مختلفة، تطورت اللغة وتعددت أشكال استخدامها. وفي الأناضول بدأت التركية تتخذ مسارًا جديدًا، ومع مرور الوقت أصبحت الأساس الذي تطورت منه التركية المستخدمة في الدولة العثمانية
ومع قيام الدولة العثمانية واتساع مؤسساتها، لم تعد التركية المستخدمة في الكتابة تشبه تمامًا اللغة التي يتحدث بها الناس في حياتهم اليومية وذلك حتى يصعب على عامة الشعب قراءة نصوص وفرمانات الملك / السلطان وحتى تكون محفوظة بشكل أكبر. فقد أصبحت العربية والفارسية تشكلان حاضرتين قويتين في مجالات الأدب والإدارة والعلوم، ودخلت منهما أعداد كبيرة من الكلمات والتراكيب إلى اللغة التركية القديمة (العثمانية).
ومن هنا ظهر ما نطلق عليه اليوم التركية العثمانية (Osmanlı Türkçesi). وهي ليست لغة منفصلة تمامًا عن التركية، وإنما شكل تاريخي من أشكال التركية المكتوبة، تميز بعض النصوص الأدبية والرسمية بكثرة المفردات والتراكيب العربية والفارسية.
وهنا يجب أن نلتفت إلى نقطة مهمة: اللغة العثمانية المكتوبة لا تعني بالضرورة أن جميع العثمانيين كانوا يتحدثون بالطريقة نفسها التي نقرأها في النصوص الأدبية. فهناك فرق بين لغة الأدب والوثائق الرسمية وبين اللغة التي كان يستخدمها الناس في حديثهم اليومي.
لماذا تبدو بعض النصوص العثمانية صعبة على التركي اليوم؟
يمكن تفسير الصعوبة من خلال عاملين أساسيين: الكتابة واللغة.
فمن ناحية الكتابة، كانت التركية العثمانية تستخدم أبجدية قائمة على الحروف العربية، مع تعديلات واستخدامات خاصة تتناسب مع التركية
أما من ناحية اللغة، فقد أصبحت بعض النصوص الأدبية والرسمية مليئة بالمفردات العربية والفارسية والتراكيب المتأثرة بهما. ولهذا فإن القارئ التركي الحالي، حتى لو استطاع التعرف على بعض الكلمات يجد صعوبة في فهم النص كاملًا ولهذا ما نجده الآن أن الأتراك يسعون إلى تغيير الكلمات التي اقتبست من العربية والفارسية ومحاولة ضبطها وملائمتها للإنجليزية والفرنسية.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي أحيانًا أن يعرف التركي الأبجدية القديمة حتى يقرأ نصًا عثمانيًا بسهولة لأنها حتى لو عرف قراءة نص فمن الممكن عدم فهم بقية النصوص وذلك بسب كثرة الخطوط التي كانوا يستخدمونها في كتابة وثائقهم وفرماناتهم؛ فقد كانوا يكتبون بعدة خطوط منها النسخ والرقعة والخط الديواني وغيره من الخطوط؛ فدراسة التركية العثمانية تتطلب أيضًا التعرف على مفرداتها وأساليبها الخاصة.
عندما بدأت الدعوة إلى تبسيط اللغة
لم تنتظر تركيا قيام الجمهورية حتى تبدأ مناقشة مشكلة اللغة والكتابة. ففي أواخر الدولة العثمانية ظهرت نقاشات ومحاولات مختلفة لإصلاح الأبجدية وتبسيط اللغة فقد قام أتاتورك باستبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية عام ١٩٢٤ وهذا بعد إنهاء دولة الخلافة العثمانية وإعلان الجمهورية لأول مرة.
وفي بداية القرن العشرين ظهر اتجاه أكثر وضوحًا مع حركة Yeni Lisan، أي «اللغة الجديدة»، التي ارتبطت بمجلة Genç Kalemler، وبرز فيها عمر سيف الدين وزيا كوك ألب وعلي جانيب.
لم تكن الفكرة الأساسية هي حذف الكلمات العربية والفارسية من التركية العثمانية فقد كانت الدعوة الأساسية تتجه إلى جعل اللغة المكتوبة والمنطوقة أكثر وضوحًا وأقرب إلى اللغة التي يستخدمها عامة الناس، والتقليل من التراكيب العربية والفارسية المعقدة، مع الإبقاء على الكلمات الأجنبية التي أصبحت جزءًا طبيعيًا من الاستعمال التركي.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن الحديث عن «تنقية التركية» لا ينبغي أن يجعلنا نتصور أن أصحاب حركة Yeni Lisan كانوا يريدون محو كل أثر للعربية والفارسية. القضية كانت أكثر تعقيدًا من ذلك، وكانت مرتبطة أيضًا بالسؤال عن شكل اللغة الأدبية التي يمكن أن يفهمها القارئ بسهولة.
فلم يكن جميع الناس متفقين على تطبيق هذه الفكرة وكانت هناك معارضة قائمة حيث أنه كان هناك أدباء تحروا أن العثمانية بما تحتويه من نصوص ومفردات عربية تمثل أهمية كبيرة للأدب والتاريخ العثماني.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الشاعر والكاتب علي أكرم بولايير، الذي كتب عام 1914 عملًا شعريًا بعنوان «Lisan-ı Osmânî»، ونُشر عام 1916. وقد جاء العمل في سياق الجدل الذي أثارته حركة Yeni Lisan وأفكار عمر سيف الدين ورفاقه.
وتكشف هذه المعارضة جانبًا مهمًا من تاريخ اللغة التركية: فالتغيير لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان موضوعًا للنقاش بين الأدباء والمثقفين أنفسهم. وكان السؤال يتجاوز الكلمات إلى قضية أكبر: أي لغة ينبغي أن تكون لغة الأدب والكتابة في تركيا؟
الأبجدية التركية الحديثة
عند الحديث عن تغيير الأبجدية التركية، يظن البعض أن الفكرة ظهرت فجأة بعد تأسيس الجمهورية. لكن النقاش حول إصلاح الأبجدية كان موجودًا في أواخر الدولة العثمانية كما ذكرت سابقا عندما تولي أتاتورك الحكم.
وكان أحد أسباب هذا النقاش مرتبطًا بطبيعة الأبجدية المستخدمة ومدى ملاءمتها للأصوات التركية. فالتركية تمتلك نظامًا صوتيًا يختلف عن العربية، ولذلك ظهرت صعوبات في تمثيل بعض الأصوات والحركات عند الكتابة بالنظام القديم.
وخلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت اقتراحات متعددة حول تغيير الأبجدية التركية القديمة وطرحت فكرة استخدام الحروف اللاتينية بصورة أوضح مع ازدياد الاحتكاك بأوروبا.
حيث لم تكن الجمهورية هي التي اخترعت مشكلة الأبجدية، لكنها كانت المرحلة التي اتُّخذ فيها هذا القرار.
وفي عام 1928 أصبحت فكرة تغيير الأبجدية التركية جزءًا من التحولات الكبرى التي شهدتها الجمهورية التركية الجديدة.
وتتكون الأبجدية التركية الحديثة من 29 حرفًا وقد صممت لمجاراة التغييرات ونظام الدولة الجديدة.
لكن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في شكل الحروف فقط. فقد كان على المجتمع أن يتعلم نظامًا جديدًا للقراءة والكتابة، ولذلك بدأت عملية تعليم واسعة للأبجدية الجديدة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت مخاوف من جانب آخر: ماذا سيحدث للكتب والصحف والوثائق التي كُتبت بالأبجدية العثمانية؟ وكيف سيتمكن الجيل الجديد من قراءتها؟
وهنا ظهرت مشكلة كبيرة حيث أصبحت النصوص والفرمانات المكتوبة بالأبجدية القديمة تحتاج إلى دراية بهذه الحروف والتراكيب حتى يستطيع القارئ فهمها والوصول إلى ما تحتويه.
تغيير الأبجدية
بعد تغيير الأبجدية، استمرت عملية إعادة النظر في اللغة نفسها. وفي عام 1932 تأسست Türk Dil Kurumu (TDK)، التي أصبحت مؤسسة مهمة في دراسة اللغة التركية وتطوير مفرداتها.
وشهدت هذه المرحلة محاولات لإيجاد بدائل تركية لبعض الكلمات العربية والفارسية المستخدمة لهذه اللغة وكان الهدف منه تطوير لغة حديثة أكثر توحيدًا وأقرب إلى الاستعمال العام.
لكن من المهم ألا نتصور أن هذه العملية أدت إلى اختفاء الكلمات العربية والفارسية من التركية. فالتركية الحديثة ما زالت تحتوي على عدد كبير من الكلمات ذات الأصول العربية والفارسية، وبعضها مستخدم بصورة طبيعية جدًا حتى اليوم.
وهذا يوضح الفرق بين تغيير اللغة بالكامل وبين إعادة تنظيم مفرداتها ومعايير استخدامها.
ماذا خسر القارئ الحديث وماذا كسب؟
من ناحية، أصبحت الأبجدية الجديدة أكثر سهولة وارتباطًا بالنظام الصوتي للتركية، وساعدت على بناء نظام تعليمي ولغوي جديد في الجمهورية.
لكن من ناحية أخرى أصبح الشخص الذي يتحدث التركية الحديثة لا يعرف قراءة وثيقة عثمانية قديمة لمجرد أنه يتحدث التركية.
ولهذا أصبحت هناك حاجة إلى المتخصصين في التركية العثمانية من أجل قراءة الوثائق والمخطوطات والصحف القديمة ونقلها إلى الحروف الحديثة وشرح مفرداتها.
وهنا تظهر عدة فروق فاللغة نفسها استمرت، لكن الطريقة التي يقرأ بها الأشخاص اختلفت.
هل أصبحت التركية الحديثة لغة مختلفة تمامًا؟
رغم التغييرات، من الصعب القول إن التركية الحديثة لغة منفصلة تمامًا عن التركية العثمانية حيث أن أساس اللغة واحد كما أن عددًا من الكلمات القديمة بقي مستخدمًا حتى اليوم لكن الفرق في المفردات والأبجدية التي استخدموها.
ولهذا يمكن النظر إلى التركية الحديثة باعتبارها نتيجة مرحلة طويلة من التطور والإصلاح، وليس لغة ظهرت فجأة بعد عام 1928.
من لغة إلى أخرى أم من مرحلة إلى أخرى؟
ربما يكون السؤال الأفضل في النهاية ليس: «هل التركية الحديثة هي نفسها التركية العثمانية؟»، وإنما: «إلى أي مدى تغيرت التركية مع احتفاظها بجذورها التاريخية؟»
فالانتقال من التركية العثمانية إلى التركية الحديثة لم يكن مجرد تبديل للحروف. لقد ارتبط بتغير في التعليم والأدب والسياسة والثقافة، وأعيد تشكيل علاقة الأجيال الجديدة بالكتب والوثائق التي كُتبت بالأبجدية العثمانية.
وفي الوقت نفسه، فإن التركية الحديثة لم تقطع تمامًا صلتها بما سبقها؛ فما زالت كلمات كثيرة ذات أصول عربية وفارسية موجودة في الاستعمال اليومي، وما زال التراث العثماني حاضرًا في الأرشيفات والمكتبات والدراسات الأكاديمية وأصبحت الجامعات تدرس بها مواد ذات صلة بالعثمانية والأبجدية العثمانية ونجد تحديدًا بمصر عددًا كبيرًا من المهتمين بتعلم اللغة التركية القديمة. وربما تكمن أهمية دراسة التركية العثمانية اليوم في أنها لا تساعد فقط على قراءة نصوص قديمة، بل تفتح بابًا لفهم مرحلة مهمة من تاريخ اللغة والثقافة التركية. فمعرفة التركية الحديثة تمنحنا صورة تركيا المعاصرة، بينما تساعدنا التركية العثمانية على قراءة جانب كبير من الذاكرة المكتوبة التي سبقتها.
يسعدنا تلقي آراءكم حول كتباتنا ومقالاتنا.
لمزيد من المقالات يمكنك تصفح تبويب مقالات نادي الترجمة.
لطلب خدمة الترجمة التركية (تركي عربي) يمكنك التواصل معنا عبر واتساب بالضغط على هذا الرابط.
1 فكرة عن “من العثمانية إلى التركية الحديثة: كيف تغيّرت لغة تركيا؟”
لو حد عنده استفسار او سؤال اتشرف بدا