الفرص الواعدة ومستقبل تعلم اللغة
السؤال الشهير: اللغة الصينية؟ لماذا!! كثيرًا ما يتعجب كل من يعرف أنني اخترت دراسة اللغة الصينية في سنواتي الجامعية ويسألونني لماذا هذه اللغة تحديدًا؟ وعلى الرغم من أنها لغة منتشرة عالميًا إلا أنها غريبة على مسامعنا وهذا ما يجعل الجميع يتعجب من اختيار هذه اللغة.
ففي هذه المقالة سنجيب على هذا السؤال الشهير وسنزيل الستار عن بعض الأسئلة التي تدور في ذهن كل من يريد دراسة اللغة الصينية.
أولًا: لماذا اللغة الصينية؟
اللغة الصينية –وخاصة الماندرين- لغة المستقبل، حيث أن قوة الصين الاقتصادية والتجارية تتزايد عالميًا، وكلما تزايدت هذه القوة؛ تزايدت العلاقات بين الصين وباقي دول العالم مما يجعل تعلم الصينية أمرًا هامًا للتواصل بين الصين وباقي الدول.
كما أن الصين ليست دولة بعيدة عن العالم العربي كما قد يتخيل البعض. فهناك علاقات تجارية واستثمارية ومشروعات وشركات صينية تعمل في عدد من الدول العربية.
وبالتالي، فإن وجود أشخاص يجيدون العربية والصينية معًا يصبح مهمًا في مجالات مثل التجارة، والترجمة، وإدارة الأعمال، والتواصل بين الشركات والمؤسسات.
بالإضافة إلى أن تعلم هذه اللغة لا يتقصر على العمل بها في الترجمة فقط، وهذا ما أود الإشارة إليه في ضرورة تعلم مهارة أخرى بجانب اللغة الصينية، فالعمل بهذه اللغة يتضمن:
- التجارة الدولية
- التدريس
- الترجمة التحريرية
- الترجمة الفورية
- الاستيراد والتصدير
- الشركات الصينية
- السياحة
- العلاقات الدولية
- التعليم
- الإعلام والمحتوى
- المجالات التقنية والقانونية والطبية
فالجمع بين الصينية وتخصص آخر أقوى بكثير.
كما أن اختيار لغة نادرة نسبيًا يمكن أن يكون قرارًا ذكيًا، فهناك لغات يدرسها عدد ضخم من الطلاب، وبالتالي يصبح عدد المتخصصين فيها كبيرًا. أما الصينية، فعلى الرغم من انتشارها العالمي، فإن عدد المتخصصين العرب الذين يجيدونها إجادة قوية أقل من عدد المتخصصين في بعض اللغات الأجنبية التقليدية.
بالإضافة إلى أن هذه اللغة تربط بين الماضي والمستقبل، الصين تجمع بين حضارة قديمة جدًا وبين كونها واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة في العصر الحديث، لذلك عندما يتعلم الطالب الصينية، فإنه يستطيع أن يقترب من نصوص وحكايات وأفكار عمرها قرون، وفي الوقت نفسه يستطيع متابعة المحتوى المعاصر والتعامل مع الشركات والتكنولوجيا والاقتصاد الصيني.
فاللغة الصينية لغة مختلفة وثقافتها واسعة، فسوف تجد في الصينية تجربة مميزة لأنها بوابة إلى حضارة عريقة وسوق اقتصادي واسع.
ثانيًا: هل اللغة الصينية صعبة؟
عندما تفكر في دراسة اللغة الصينية، فمن الطبيعي أن يكون هذا أول سؤال يتبادر إلى ذهنك وقد يكون هذا السؤال هو السبب الذي يجعل البعض يتردد في اختيارها، خاصة عندما يرون الرموز الصينية للمرة الأولى أو يسمعون عن النغمات الصوتية التي تميز اللغة.
فكما يقال أن اللغة الصينية أصعب لغة في العالم، والحقيقة أن اللغة الصينية تحتوي بالفعل على بعض التحديات، لكنها ليست لغة مستحيلة، والأدق أن نقول أن اللغة الصينية مختلفة عن باقي اللغات المعتادة بالنسبة لنا؛ فهي تحتاج لطريقة مختلفة في التعلم والممارسة.
ففي بداية دراسة الصينية، قد يشعر الدارس بأن كل شيء جديد عليه؛ طريقة النطق، وبناء الجملة، والتعبير عن الزمن، واستخدام الكلمات في السياقات المختلفة. وقد يحتاج إلى وقت حتى تتكون لديه القدرة على التفكير باللغة بدلًا من ترجمة كل جملة في ذهنه من العربية إليها. وهذا أمر طبيعي في تعلم أي لغة جديدة، لكنه يظهر بصورة واضحة عندما تكون اللغة التي يتعلمها مختلفة عن لغته الأم. ومن أكبر التحديات في تعلم الصينية أن الدارس لا يتعلم كلمات جديدة فقط، بل يتعلم طريقة مختلفة في بناء الجملة والتعبير عن الأفكار. فقد تكون الفكرة التي نعبّر عنها في العربية بطريقة معينة بحاجة إلى تركيب مختلف في الصينية. ولهذا فإن الترجمة الحرفية من العربية إلى الصينية لا تكون دائمًا صحيحة أو طبيعية.
ومع الوقت، يبدأ الدارس في فهم الطريقة التي يفكر بها المتحدث الصيني عند بناء الجملة، ويصبح قادرًا على استخدام التعبيرات كما يستخدمها أهل اللغة، بدلًا من ترجمة الجملة العربية كلمة بكلمة.
يمكن القول إن التحدي الحقيقي ليس في وجود قاعدة واحدة معقدة أو مهارة واحدة مستحيلة، وإنما في الحاجة إلى الاستمرار والتعود على نظام لغوي مختلف.
فالصينية تحتاج إلى أن يسمعها الدارس كثيرًا، ويتحدث بها كثيرًا، ويستخدمها في مواقف متنوعة، ويتعلم من أخطائه.
ولهذا فإن الدارس الذي يبحث عن لغة يستطيع دراستها بصورة متقطعة قد يجد الصينية مرهقة، أما الذي يستمتع بالتعلم التدريجي والممارسة المستمرة، فقد يجد فيها تجربة ممتعة ومجزية. وفي النهاية اللغة الصينية ليست لغة ينبغي أن يخاف منها الدارس لمجرد أنها مختلفة. نعم، سيواجه تحديات، وسيحتاج إلى وقت حتى يعتاد على النطق والاستماع وبناء الجملة والتعبير بطريقة طبيعية، لكن هذه التحديات جزء من عملية تعلم أي لغة جديدة.
ثالثًا: الرموز الصينية والنغمات:
- الرموز الصينية:
الرموز الصينية هي أول ما يتم السؤال عنه بمجرد ذكر هذه اللغة، حيث يتخيل إلى البعض أنها أصعب ما في اللغة وكأنها “طلاسم”، ولكن دعونا نبسط فكرة الرموز ليسهل على القارئ تخيلها.
اللغة الصينية لا تستخدم أبجدية بالمعنى المعروف في العربية أو الإنجليزية، وإنما تعتمد على نظام من الرموز يُعرف بالصينية باسم 汉字 (Hànzì) وقد يبدو الرمز في البداية مجرد شكل معقد يصعب تذكره، خصوصًا عندما يرى الدارس عددًا كبيرًا من الرموز للمرة الأولى. لكن الحقيقة أن التعامل معها يصبح أسهل بكثير عندما يفهم الدارس طبيعتها وطريقة تكوينها.
فالرموز الصينية ليست أشكالًا عشوائية، وإنما لكل رمز بنية ومكونات يمكن أن تساعد على فهمه وتذكره. وبعض الرموز يحمل معنى مستقلًا، بينما تتكون كلمات كثيرة من جمع رمزين أو أكثر، بحيث يضيف كل رمز جزءًا من المعنى.
ومن الأمور التي تجعل تعلم الرموز أكثر إثارة أن تاريخها يرتبط بتاريخ الحضارة الصينية نفسها. فقد تطورت أشكال الكتابة الصينية عبر آلاف السنين، وانتقلت من أشكال قديمة مرتبطة بالصور والأشياء إلى أشكال أكثر تجريدًا واستخدامًا في اللغة الحديثة. ولذلك فإن تعلم الرموز لا يمثل تعلم نظام للكتابة فحسب، بل يمنح الطالب فرصة للتعرف إلى جانب مهم من تاريخ الحضارة الصينية.
وفي بداية الدراسة، لا يحتاج الدارس إلى حفظ آلاف الرموز دفعة واحدة. يبدأ بعدد محدود من الرموز والكلمات، ثم يزداد مخزونه تدريجيًا مع تقدمه في اللغة. ومع كثرة التعرض للرموز، يبدأ في التعرف إلى المكونات المتكررة، ويصبح تذكر الرموز الجديدة أسهل بكثير. ومن المهم أيضًا أن يتعلم الدارس كتابة الرمز بطريقة صحيحة، لأن ترتيب الخطوط ليس عشوائيًا، بل توجد قواعد تساعد على تحديد ترتيب كتابة الخطوط، ومع الالتزام بها تصبح كتابة الرموز أكثر سهولة وتنظيمًا.
كما أن عدد الرموز التي يحتاج إليها الدارس يختلف بحسب المستوى والهدف. فليس من الضروري أن يعرف كل الرموز الموجودة في اللغة حتى يستطيع التواصل بها. ومع تطور مستواه، يزداد عدد الرموز التي يستطيع قراءتها وكتابتها وفهمها.
لذلك يمكن القول إن الرموز الصينية قد تكون من أكثر جوانب اللغة تحديًا في البداية، لكنها ليست عائقًا أمام تعلمها. وما يبدو للدارس في البداية مجموعة من الأشكال الغريبة، يمكن أن يتحول مع الممارسة إلى نظام له منطق وأنماط يمكن فهمها وتذكرها. وربما تكون أجمل طريقة للنظر إلى الرموز الصينية هي ألا يراها الدارس باعتبارها “أشكالًا يجب حفظها”، بل باعتبارها نظامًا كتابيًا يحمل داخل كل رمز جزءًا من تاريخ اللغة وثقافتها. ومع الوقت، يبدأ الدارس في الانتقال من مرحلة محاولة تذكر كل رمز بصعوبة إلى مرحلة يستطيع فيها التعرف إليه وفهمه بصورة تلقائية.
- النغمات:
اللغة الصينية هي لغة نغمية، ودائمًا ما أقوم بتشبيه النغمات الصينية بالتشكيل في اللغة العربية. ففي اللغة الصينية عدد النغمات 4 نغمات –بخلاف الساكنة- كما هو الحال في اللغة العربية (فتحة، ضمة، كسرة وسكون). وذلك لتبسيط فكرة النغمات فقط، ولكن يوجد اختلاف ألا وهو أن النغمات في اللغة الصينية يمكنها تغيير معنى الكلمة جذريًا حتى وإن كانت الحروف متطابقة.
دعونا نشرح بشيء من التفصيل.
في الصينية، يمكن للمقطع الصوتي نفسه أن يحمل معاني مختلفة تبعًا للنغمة التي يُنطق بها. ومن أشهر الأمثلة المقطع “ma”، الذي يمكن أن يحمل معاني مختلفة بحسب النغمة:
- mā 妈: الأم.
- mà 骂: يوبّخ أو يشتم.
وهذا ما تم ذكره بفكاهة في المشهد الشهير بين الأم وابنتها ومحمد هنيدي في فيلم فول الصين العظيم.
ولهذا قد يجد الدارس صعوبة في بداية تعلم الصينية، ليس لأنه غير قادر على نطق الكلمات، وإنما لأن أذنه تحتاج إلى وقت حتى تعتاد على التمييز بين النغمات المختلفة. فقد يسمع في البداية مقطعين ويشعر أنهما متطابقان، بينما يستطيع المتحدث الصيني التمييز بينهما بسهولة. ومع كثرة الاستماع والتدريب، تبدأ الأذن تدريجيًا في ملاحظة هذه الفروق.
رابعًا: ماذا سيدرس الطالب في الجامعة؟
هذه النقطة مهمة حتى يعرف الطالب أن دراسة الصينية ليست مجرد حفظ كلمات.
يمكن أن يدرس:
- مهارات الاستماع.
- المحادثة.
- القراءة.
- الكتابة.
- القواعد.
- الترجمة من الصينية إلى العربية والعكس.
- الأدب الصيني.
- الحضارة والثقافة الصينية.
- النصوص المتخصصة.
- المصطلحات المختلفة.
خامسًا: هل اللغة الصينية مناسبة لك؟ اللغة الصينية قد تكون اختيارًا جيدًا لمن يحب اكتشاف الأشياء الجديدة، ولا يخشى الاختلاف، ولديه استعداد لبذل جهد مستمر، ويستمتع بتعلم اللغات والثقافات.
كتبته/ أ. بسمة عبدالماجد (مترجمة اللغة الصينية)
للاطلاع على مقالات نادي الترجمة من هنا.